الشيخ محمد علي التسخيري
112
محاضرات في علوم القرآن
وقوله تعالى أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ « 1 » . وقوله تعالى أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ؟ ساءَ ما يَحْكُمُونَ . وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ « 2 » . وهكذا تتناول الأدلّة جوانب أخرى من العقيدة الإسلامية والمفاهيم العامة . الثاني : إنّه لو تنازلنا عن ذلك فمن الممكن تفسير هذا الفرق على أساس مراعاة طبيعة موقف المواجهة من الدعوة حيث كانت تواجه الدعوة في مكّة مشركي العرب وعبدة الأصنام ، والأدلّة التي كان يواجه القرآن بها هؤلاء أدلّة وجدانيّة من الممكن أن تستوعبها مداركهم ويقتضيها وضوح بطلان العقيدة الوثنية . وحين اختلفت طبيعة الموقف وأصبحت الأفكار المواجهة تمتاز بكثير من التعقيد والتزييف والانحراف - كما هو الحال في عقائد أهل الكتاب - اقتضى الموقف مواجهتها بأسلوب آخر من البرهان والدليل أكثر تعقيدا وتفصيلا . « 3 » الفروق الحقيقية بين المكّي والمدنيّ ولم نجد في الشبهات التي تناولناها ولا نجد في غيرها ما يمكنه أن يصمد أمام النقد العلمي أو الدرس الموضوعي . ومن كلّ ذلك يجدر بنا أن نقدّم تفسيرا منطقيا لظاهرة الفرق بين القسم المكّي والقسم المدنيّ ، وإن كنّا قد ألمحنا إلى جانب من هذا التفسير عندما تناولنا الشبهات بالنقد والمناقشة .
--> ( 1 ) المؤمنون : 115 . ( 2 ) الجاثية : 21 - 22 . ( 3 ) اعتمدنا بصورة أساسية ، في عرض الشبهات ومناقشتها على ما ذكره الزرقاني في مناهل العرفان ، ج 1 ، ص 199 - 232 .